السؤال الأكثر تداولاً في أروقة التعليم

السؤال الأكثر تداولاً في أروقة التعليم

القلق، من احتمالية أن تفقد وظيفتك بسبب التكنولوجيا هو تخوف منطقي ومتزايد، فمن المتوقع أن تختفي ١٥ مليون وظيفة من سوق العمل البريطاني، وأن يتم ميكنتها في ظل التطور التكنولوجي الحالي،  ولكن وفقًا لتقرير أعدته جامعة أوكسفورد وقد شمل ٧٠٠ وظيفة ظهر أن التدريس بجميع مستوياته هو الوظيفة الأكثر أمانًا و بعيدًا عن احتمالات الميكنة.

ولكن ذلك الأمن الذي تحظى به مهنة التدريس وفقًا لتقرير جامعة أوكسفورد لا يبدو منطقيًا، في ظل انتشار التعليم عن بعد، وكثرة البرامج الدراسية المعروضة من خلاله،  فهناك جامعات مرموقة تمنح درجات علمية من خلاله، بالإضافة إلى أنه يمنح المتعلم الفرصة لتعلم ما  يريد، وهو يجلس في منزله دون عناء. فنجد الإقبال على ذلك النوع من التعليم حيث يتقدم مئات الملايين للدراسة، أو لتغير المسار الوظيفي فالتحقوا ببرامجه المتنوعة فقط، ونالت بعض مؤسساته شهرة واسعة كأكاديمية خان.

إلا أن تلك الصورة المثالية يهددها عيب خطير، وهو النسبة العالية جدًا  للتسرب من ذلك النوع من التعليم؛ مما يجعله لا يمثل تهديدًا يذكر للنظم التعليمية التقليدية. فيبدو أن المتعلمين دائمًا ما يفضلون الفصول التقليدية.

ولكن يظل السؤال: لماذا لا تستطيع التكنولوجيا استبدال المعلم؟ حيث يفضل الطلاب التعليم المباشر وجها لوجه مع المُعلم! للإجابة عن هذا السؤال الرئيس يجب الإجابة عن سؤالين فرعيين هما: ما أدوار المعلم المنوط بها؟ ولما أو كيف تقف التكنولوجيا عاجزة عن أداء تلك الأدوار؟

فإذا ما نظرنا إلى أدوار المعلم نجد أن أهم أدواره رعاية الطلاب، إدارة التعلم وتميز الطلاب الضعاف ودعمهم، ومتابعة أداء الطلاب، كذلك متابعة المعلمين الجدد ودعمهم، وتقييم الطلاب وتقويمهم، ومتابعة حضورهم وسلوكهم وانتظامهم في أداء الواجبات، وتحفيزهم وتشجيعهم وتوفير مصادر التعلم أيضًا، وضبط بيئة التعلم، وكتابة التقارير عن العملية التعليمية والكتب المدرسية ومتابعة مستوى الطلاب، ومقابلة أولياء الأمور وتنظيم الرحلات التعليمية، وتخطيط الأنشطة الصفية وغير الصفية، ومتابعة تحقيق الأهداف التعليمية، وكل ما يخص العملية التعليمية ومن أدواره المهمة المشاركة في الأنشطة الإشرافية الإدارية والمشاركة بحضور التدريبات والندوات. فكما نرى أن هذه قائمة لبعض مهام المعلم وليست شاملة بالطبع لكل مهامه .

فمن الممكن توقع أن الجزء الإداري والورقي من وظيفة المعلم يمكن ميكنته في المستقبل، أسوة بالقطاعات الأخرى، لكن ماذا عن وظيفة التدريس؟ فالتدريس ليس فقط نقل المعلومات من المعلم إلى التلاميذ، فالتدريس أداء وإدراك للجو العام للفصل الدراسي، من حيث حالة الطلاب ومستواهم العلمي، والحالة النفسية، وهنا تعجز التكنولوجيا عن تقديم التعاطف؛ ذلك الشعور الإنساني والذي يستحيل ميكنته، والذي يسمح للمعلم أن يفهم على سبيل المثال أن الطلاب في آخر الفصل يشعرون بالملل؛ لأنهم يجدون الدرس صعبًا أو لا يدركون أهميته فيعدل من سلوكه؛ ليدمجهم في الدرس أو أن الطلاب لديهم معرفه بما يقول فليسوا مهتمين بالمتابعة. فالمعلم يستطيع فهم تعبيرات الوجه وإدراك الموقف من الإشارات غير اللغوية، ويستطيع أن يبدي تفهمًا وتعاطفًا بينما لا تستطيع التكنولوجيا إدراك ذلك الجانب وتعديل برامجها وفقًا له.

ومن النقاط الأخرى التي يصعب على التكنولوجيا محاكاة المعلم فيها التفكير السريع وهو جزء مهم من التدريس. فهناك عدد كبير من المشكلات التي قد تطرأ أثناء اليوم الدراسي، و تتطلب من المعلم التفكير السريع وإيجاد البدائل . فقد يعتذر ضيف عن ندوة، وقد يتأخر أتوبيس المدرسة، وقد تتجمد شاشة العرض لضعف شبكة الإنترنت، وقد تنقطع الكهرباء أو تتعطل آلات التصوير؛ لذا فالتكنولوجيا مستحيل أن تكون بديلاً عن المعلم ولكنها قد تساعده في التخلص من الأعباء الإدارية والورقية وجمع معلومات عن الطلاب لتفرغهم لمهمة التدريس. فنحن نؤمن بمحورية دور المعلم، واستمرار التكنولوجيا في التطور ويستمر التحدي لتطويعها لتقديم تدريس أفضل، ولكن يبدو من الصعب تخيل فصل بلا معلم.

فنحن نؤمن بمحورية دور المعلم في اختيار التكنولوجيا المناسبة، وتوظيفها وفق حاجات الطلاب الفردية، كما نؤمن بدوره بوصفه قدوة ومصدر إلهام للطالب، الأمر الذي لا تستطيع التكنولوجيا أن تفعله مهما بلغ تطورها، غير أن أهمية المعلم تتمثل أساسًا في الحفاظ على إنسانية الإنسان وخلق التوازن بين الواقع الافتراضي والعالم الحقيقي بكل مكوناته العاطفية والاجتماعية . ولعلنا في ضوء ما سبق نجد أنفسنا مضطرين إلى إعادة صياغة الإشكالية موضوع هذا المقال في هيئة سؤال جوهري : هل حقًا تحل التكنولوجيا محل المعلم ؟ .

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *