أبحاث

دور التربية الإسلامية في تعزيز دافع الانتماء لدى الفرد

د.هيفاء فياض فوارس

أولاً: مفهوم دافع الانتماء وخصائصه في الإسلام

فطر الله تعالى الإنسان على دوافع تحفظ وجوده البشري، وتعينه على تحقيق وجوده في الحياة الدنيا، وترتقي به ليصل إلى الحياة الآخرى وقد حقق الفوز بجنات النعيم. وهذه الدوافع متنوعة: منها فسيولوجي يتعلق بحفظ الذات الإنسانية أو النوع الإنساني، ودوافع روحية كحب التدين، ودوافع نفسية كالكرم، وتحقيق الأمن، ودوافع اجتماعية تتعلق بالتنشئة الاجتماعية كدافع الانتماء، والدوافع اللا شعورية، وهكذا. والإسلام إذ يعترف بالدوافع الإنسانية، فهو يربيها بالتهذيب والتنمية ووضع المعايير المناسبة لإشباعها.

ودافع الانتماء: مفهوم فرضي يدل على حالة الإثارة الملحة لدى الفرد ، الناتجة عن وجود حاجة الإنسان إلى الارتباط بشيء ما، أو الانضمام إلى جماعة ما، تربطه بها روابط تجعله ينجذب إلى ذلك الشيء، أو يقترب من تلك الجماعة.

فدافع الانتماء يدفع الإنسان للانضمام إلى جماعة، تربطه بها روابط مشتركة، كروابط النسب، أو المصاهرة، أو القرابة، أو روابط تربطه بالأرض التي يعيش عليها مع غيره، أو روابط فكرية، ذات أبعاد حزبية، أو مذهبية، أو عقدية، أو روابط ناشئة من وحدة الجنس البشري، بالنظر إلى وحدة أصل النشأة للإنسان.

ففي ضوء الشعور بالعضوية لدى الجماعة، تنشأ العملية التفاعلية بين الفرد العضو، والجماعة التي ينضم إليها، وتتكون المعاني والأفكار التي تجسد الانتماء.

  إن المتأمل لدافع الانتماء الذي أوجده الله تعالى في الإنسان، وأمر بتهذيبه وتعزيزه يجده قد اتسم بالخصائص الآتية:

  1.   دافع فطري، تقتضيه الطبيعة الإنسانية

 لقد خلق الله تعالى الإنسان؛ ليعيش في جماعة، إذ أول ما يفتح عينيه في الحياة يجد نفسه في كنف أسرة، وهذه الأسرة مرتبطة بالمجتمع، والمجتمع مرتبط بمجتمع أكبر منه، لتتسع بذلك الجماعات والمجتمعات في دوائر، بعضها في بعض.

ومن أجل أن يتكيف الإنسان مع طبيعة الحياة التي أراد الله له أن يعيش في كنفها؛ أوجد الله تعالى فيه حاجة تلح عليه بأن يجتمع بالآخرين، ويرتبط معهم بروابط مختلفة، فيسعى باستمرار لإشباعها، وتأخذ هذه الحاجة أشكالاً متعددة من أبرزها شعور الإنسان بأنه عضو في جماعة ما، يتبادل معها الحقوق والواجبات، يعطيها الحب والاحترام، وتعطيه مزيدا من التشبث والارتباط،

  •   الثبات وعدم التذبذب  

إن استشعار الإنسان لدافع الانتماء وارتباطه بالجماعة، مصبوغ بصبغة الثبات، بعيداً عن تقلب هذا الدافع بتقلب المنافع أو المصالح، إنما هو شعور ثابت يصبغ سلوكات الإنسان تجاه ما ينتمي إليه، انتفع منه أم لم ينتفع. وإن لم يتصف بذلك كان هذا الفرد مدعياً للانتماء، متظاهراً به؛ لذلك ذم القرآن الكريم المنافقين المتذبذبين، الذين يشعرون كل جماعة بأنهما منها، قال الله تعالى: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}. (النساء: 143).

  • يرتبط بالحب الممزوج بالإجلال والتقدير

إن إحساس الفرد بالانتماء إحساس مركب يتجاوز مجرد العضوية إلى الجماعة، ليحمل في طياته مشاعر الحب لهذه الجماعة، ولا يقف عند هذا الحد إنما هذا الحب ناشئ عن شعور بقيمة ما ينتمي إليه فينظر إليه نظرة إكبار وإجلال وتقدير، وهذه النظرة تعزيز قيم التضحية والافتداء، فيضحي الفرد بأعز ما يملك دفاعاً عما ينتمي إليه.

  • قابلية الانتماء للارتقاء

إن الانتماء لا يقف عند مجرد الارتباط بذات الشيء الذي ينتمي إليه، إنما يتطور ويتقدم ويرتقي، وهذا الارتقاء يأخذ صورتين:

  • الانتقال من المحسوسات إلى المجردات.

فعلى سبيل المثال إن الانتماء إلى الأرض أو الوطن يبدأ بالارتباط المباشر بالأرض أو الوطن المحسوس، ومن ثم يتطور نحو المعاني العليا المبلورة لهذا الانتماء، مروراً بحبه، والقيام بالمسؤوليات تجاهه، وإجلاله، ليصل الفرد في قمة انتمائه إلى درجة افتداء ما ينتمي إليه بروحه.

  • الارتقاء من دائرة إلى دائرة أوسع، من غير فقدان الانتماء للدائرة الأضيق. فالانتماء الى الوطن لا يعني فقدان الانتماء للأسرة، والانتماء للأمة المسلمة لا يعني فقدان الانتماء للوطن، وهكذا مهما اتسعت الدوائر التي ينتمي إليها الفرد المسلم.
  • دافع تفاعلي يتطلب الاتصال والاحتكاك بالجماعة

يعبر دافع الانتماء عن الاتصال والتفاعل الإيجابي المثمر بين الفرد والآخرين، وتكوين علاقات تسودها المحبة والألفة والتعاون، فيشعر الفرد برغبة في عضوية الجماعة؛ وذلك نتيجة لوجود روابط مشتركة، مكونة بذلك دوائر يمكن للفرد أن ينتمي إليها.

وقد أولت التربية الإسلامية دوائر الانتماء البشري العناية التامة، التي تتيح للفرد المسلم فرص اكتساب عضويتها، من خلال تعزيز انتمائه لدوائر: الأسرة، والوطن، والأمة، والإنسانية.

ثانياً: دور التربية الإسلامية في تعزيز دافع الانتماء للأسرة المسلمة

يقع على عاتق الوالدين تنمية دافع الانتماء عند أبنائهم، ويبدأ ذلك بتهيئة البيئة النفسية والاجتماعية المناسبة التي تجعل الأبناء يحبون أسرهم، وينتمون إليها، ويشعرون بالمسؤولية تجاهها؛ إذ أن الأسرة الموطن الاجتماعي الأول الذي يجد الطفل نفسه فيه، فينتمي إليه لتتسع بعد ذلك دوائر انتمائه مروراً بوطنه، وأمته الإسلامية، وانتهاءً بالإنسانية جمعاء.

وأول مظاهر انتماء الفرد لأسرته نسبه إلى العائلة التي ولد فيها، وتسميته باسمها، قال الله تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}.( الأحزاب: 5)

فالأسرة هي المؤسسة التربوية والاجتماعية التي تبلور علاقات الزوجية، والوالدية، والبنوة، ومن ثم تنطلق لتوسع دائرتها نحو العمومة، والخؤولة، والأجداد والأحفاد، مكونة بذلك لدى الفرد شبكة من الصلات التي يرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، وبالتالي يتعزز لديه دافع الانتماء تجاهها، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من تلك الشبكة.

كما تسهم التربية الإسلامية في تعزيز انتماء الفرد المسلم لأسرته من خلال ما تحث عليه من تقديم الحب والحنان لهذا الفرد،

من هنا كانت الأسرة -وقوامها الوالدان- تتحمل مسؤولية الرحمة بالأولاد ومحبتهم والعطف عليهم؛ لأن هذا من أسس تنشئتهم، ومن مقومات نموهم النفسي والاجتماعي؛ ليكون نمواً سوياً قوياً. إذ لو لم تتحقق المحبة بين الأبناء بالشكل الكافي المتزن، نشأ الطفل منحرفاً في مجتمعه، لا يمكنه التآلف مع الآخرين، ولا يستطيع التعاون أو تقديم الخدمات والتضحيات، كما أن التعاون، والعمل المشترك داخل الأسرة.

وللأسرة دور كبير في تعزيز دافع الانتماء لدى أبنائها تجاهها من خلال غرس روح الاستعداد لتحمل المسؤولية وعمارة الأرض في نفوس الأبناء؛ إذ أن الأسرة أول موطن لإكساب الفرد هذه المعاني. حيث تبدأ عمارة الأرض بقيام كل فرد في الأسرة بمسؤولياته، التي تتسع أولاً بأول، فتبدأ بالعلاقات الداخلية بين أفراد الأسرة متمثلة في علاقات البنوة والوالدية، ومن ثم تتسع لتشمل المسؤولية عن علاقات القرابة، والجيران، والأصدقاء، وغيرها، مما يعزز انتماء الفرد لأسرته؛ لتكون المنطلق في دوائر انتمائه بعد ذلك.

وتعزز الأسرة –كذلك- دافع الانتماء لدى أفرادها تجاهها باحترام الأبناء، وإعطاؤهم فرصاً للتعبير عن خبراتهم داخل البيت وخارجه؛ إذ أن قيام الوالدين بمسؤولية احترام الأبناء، والإحسان إليهم، وحسن التخاطب معهم، وفتح المجال أمامهم للتعبير عن ذواتهم، ونقل خبراتهم إلى والديهم يعزز من ارتباطهم بأسرهم، وإحساسهم بعضويتهم للأسرة، والانضمام إليها، ومبادلتها مشاعر الحب والإخلاص، وعدم البحث عن معاني الاحترام في جماعات أخرى ينتمون إليها كجماعة الرفاق، لتكون بديلاً عن الأسرة في انتماء الأفراد إليها.

ثالثاً: دور التربية الإسلامية في تعزيز دافع الانتماء للوطن

الوطن بقعة الأرض التي يتخذها الإنسان مسكناً ومستقراً له، ولد فيه أم لم يولد..ويرتبط الإنسان بالوطن من خلال علاقة المواطنة؛ إذ أن عيش الإنسان على بقعة من الأرض يتطلب منه إنشاء علاقة مع تلك الأرض، ومن عليها؛ لذلك كان انتساب الفرد المسلم لبقعة من الأرض أحد مظاهر المواطنة، إلا أن الوقوف عند حد الانتساب واتخاذ هذه البقعة مسكناً ومستقراً دون مبادلتها الحب، والقيام بمسؤوليات تجاهها تجعل المواطنة منقوصة؛ ؛ وذلك لأن حقيقة المواطنة تكمن في العلاقة التي تنشأ بين الفرد وتلك البقعة من جهة، وبينه وبين من يشاطره العيش والاستقرار عليها من الناس من جهة أخرى.

والتربية الإسلامية وهي تعد الإنسان المتكامل في جوانب شخصيته المختلفة، تبدأ بإعداده ليكون عضواً صالحاً في أسرته –التي هي أول وحدات تكوين الوطن، ومن ثم مواطناً صالحاً، منتمياً لوطنه، قائماً بموجبات المواطنة الصالحة تجاه وطنه الذي يعيش فيه.

إن تعزيز دافع الانتماء لدى الفرد المسلم تجاه وطنه يتطلب قيام الفرد بأداء ما عليه من واجبات تجاه وطنه، وحصوله على ما استحق من حقوق لذلك كان لا بد للتربية الإسلامية أن ترسخ مفهوم المواطنة عند مجموع الأفراد الذين يعيشون في وطن واحد، من خلال تناوب هؤلاء الأفراد على رعاية الحقوق، وأداء الواجبات المتبادلة، والمتزنة، بحيث يلتزم بها الأطراف تجاه بعضهم بعض، بشكل متوازن، دون طغيان طرف على طرف، أو استئثار طرف ببعض الحقوق دون الآخر.

من هنا يقع على عاتق التربية الإسلامية بناء إنسان الواجب، القادر على القيام بمسؤولياته تجاه وطنه، ومحققاً بذلك موجبات المواطنة الصالحة، التي هي من الأهداف المرحلية التي تسعى التربية الإسلامية إلى تحقيقها وهي تسعى إلى تحقيق الأهداف الكبرى والغايات العظمى المتمثلة في إعداد الإنسان المسلم الصالح الذي يعم خيره البشرية جمعاء، العابد لله تعالى، الساعي لنيل السعادة في الدنيا والآخرة.

كما تسعى التربية الإسلامية لتعزيز دافع الانتماء لدى الفرد المسلم تجاه وطنه من خلال تحقيق المساواة بين المواطنين، والاعتراف بحرياتهم؛ إذ أن المساواة بين المواطنين ، والاعتراف بحريتهم كفيلة بأن تشعر المواطن بذاته وبكيانه، وأن توجد لديه حالة من الدافعية للتفاعل الإيجابي وتقديم الواجبات برضا كامل.

وهذا ما يؤكد توجيه النبي –صلى الله عليه وسلم- أصحابه للهجرة إلى الحبشة التي يسودها العدل، والحرية في عرض الفكر والرسالة الإسلامية، التي أصبحت بهجرة أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- موطناً لهم يعيشون فيه، ويتمتعون بحقوق المواطنة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لو خرجتم إلى الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا “(ابن حنبل، 4/259).

ويتعزز دافع الانتماء لدى الفرد المسلم تجاه وطنه بشكل أكبر إذا استقر في نفسه أن حب الوطن جزء أساسي من القيم الإسلامية التي يؤمن بها، ويسعى إلى امتثالها، لذلك جاءت التعاليم الإسلامية تحمل القيم والمبادئ السامية التي تحث الفرد المسلم على ضرورة حب وطنه والانتماء إليه، والدفاع عنه.

فقد عبر النبي –صلى الله عليه وسلم – عن حبه لوطنه مكة بقوله: ” علمت أنك خير أرض الله وأحب الأرض إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”. (ابن حنبل، 4/305) كما دعا النبي –صلى الله عليه وسلم لأصحابه بحب موطنهم المدينة الذي استقروا به بعد الهجرة، لما علم من حزن الصحابة –رضي الله عنهم على فراق مكة، حيث قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ ، أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَة”. (البخاري، 5/84).

رابعاً: دور التربية الإسلامية في تعزيز دافع الانتماء للأمة المسلمة

الأمة المسلمة مفهوم فكري يستمد محتواه من الولاء للأفكار الإسلامية، وتتجسد عملياً في عناصر الأفراد المؤمنين والهجرة والجهاد والرسالة والإيواء والنصرة. ، وهذه الأمة تجمعها روابط مشتركة، وقيم أصيلة يتمثلها كل أفرادها، مما يسهم في تشكيل هوية مشتركة، وسمات عامة تطبعها، وتعبر عنها.

ولما كانت التربية الإسلامية لا  تقف عند الفرد، إنما تعنى أيضاً بإخراج أمة مسلمة، تحمل أعباء إقامة حضارة إسلامية متميزة في كل مجالات الحياة؛ وذلك لأن تكوين الحضارة لا يكون بجهود فرد أو أفراد متبعثرة، إنما يحتاج إلى أمة تجمعها روابط مشتركة، وهوية راسخة.

من هنا كانت التربية الإسلامية تعنى بإعداد الفرد المسلم المعتز بأمته، الذي يسيطر عليه شعور الانتساب والانضمام لها، وأنه جزء لا يتجزأ منها، والذي يربطه بها ليس مجرد رابط الدم، أو بقعة الأرض، إنما ما يؤمن به من قيم ومبادئ الرسالة الإسلامية الخالدة التي تجمع أفراد الأمة حولها؛ لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.(البقرة: 143) وقوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} (آل عمران: 195) التي تشير إلى الانتماء إلى الدين، والتضامن والتكافل. يقول عبد العال: (2011م، ص11) ” الانتماء في الإسلام ينبغي فقهه على أنه انتماء رسالي، يؤدي وظيفة رسالية للأمة الوسط”.

فالانتماء للأمة الإسلامية، هو بالضرورة انتماء للهوية الإسلامية التي تجمع أفراد هذه الأمة، وهذا الانتماء له مظهران:

  1. انتماء للهوية في بعدها الاجتماعي الذي يستهدف حماية أصول العلاقات الإنسانية، وإسباغ معاني الود والمودة والتواصل.

وفي ضوء هذا المظهر حرم الله التخاصم والقطيعة والإيذاء، وشرع التسامح والتواصل والعفو، وقد أسس النبي –صلى الله عليه وسلم- ذلك فيما رواه عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلاَ يُسْلِمُهُ ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ. (البخاري، 9/28)

  • انتماء للهوية الإسلامية في بعدها الثقافي الحضاري الذي يعني جوانب الخصوصية والتميز لمجموعة الأفراد المؤمنين أمام غيرهم من الأفراد والجماعات، وهذا البعد يتناول مستويين: المستوى الروحي، والمستوى المادي، وهما اللذان يعبران معاً عن الهوية، بل  ويعتبران ترجمة عملية لها تتميز بها الأمة . (زيتون، 2011م)

من هنا كان من الضروري تربية الفرد المسلم على تعاليم الإسلام التي تحث على التكافل بين المسلمين وترسيخ معاني الأخوة في المجتمعات المسلمة؛ لذلك كانت محبة الله ورسوله هي أساس محبة الناس، فعَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ”. (البخاري، 1/10)

وهذا يكفل وجود أمة متآخية تجمعها روابط التواد والتراحم، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ».(مسلم 8/20). في حين حث الإسلام الفرد على الاهتمام بأمور المسلمين، والتخفيف من آلامهم، فعن حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم و من  لم يصبح ويمس ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم”.(مسلم، 7/270). ونهى سبحانه وتعالى عن أي سلوك يؤدي إلى إضعاف الروابط بين أبناء الأمة الإسلامية قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات: 12). وحرم الإسلام الانتماء والموالاة لغير المؤمنين قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (التوبة: 23).

وتعزز التربية الإسلامية الانتماء للأمة الإسلامية من خلال تفعيل قاعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر الذي يسهم في تعهدها بالرعاية والحماية من أي خلل؛ إذ أن تمسك الفرد بهذه القاعدة وتطبيقها في واقع حياته بحسب ما أوتي من علم، وبأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة هو مظهر من مظاهر انتمائه لأمته، وحرصه على المحافظة عليها، والنهوض بها، وعدم اكتفائه بصلاح نفسه، إنما يتعداه إلى التفكير بمستقبل أمته، وحمل هم الإصلاح فيها. قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ».(مسلم، 1/50)، في حين يعد تخاذل الفرد أو تقصيره في تطبيق قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل واضح ومؤشر على ضعف روح الانتماء لأمته، وضعف في فهمه لأصول دينه ومبادئه، وتعزز التربية الإسلامية دافع الانتماء لدى الفرد المسلم تجاه أمته من خلال الإيمان الكامل بأن هذا الانتماء هو المعيار الذي نحكم من خلاله على انتماء الفرد لأي دائرة من دوائر الانتماء الأخرى، إذ أن الانتماء للأمة المسلمة والاعتزاز بهويتها، والعمل على حفظها هو المنطلق الذي تبنى من خلاله دوائر انتماء الفرد المسلم المختلفة.

أي أن انتماء الفرد المسلم إلى الدوائر الصغيرة مرتبط بانتماء إلى دائرة واسعة هي الأمة المسلمة، تجمع بين جنباتها دوائر انتماء الفرد المسلم المتداخلة بعضها في بعض، فدائرة الأسرة التي ينتمي إليها الفرد المسلم ويحبها ويقوم بمسؤوليات تجاهها هي دائرة صغيرة داخل الدائرة الكبيرة دائرة الأمة المسلمة التي توجه انتماء الفرد لأسرته في ضوء إيمانه الراسخ بقيم أمته، ومبادئ رسالته الإسلامية. ومن جهة أخرى فإن انتماء الفرد للدائرة الكبيرة دائرة الأمة المسلمة متضمن بالضرورة دائرة الوطن، حيث قرن القرآن الكريم بين هاتين الدائرتين في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ} (الأنفال: 72).

 أما دائرة الإنسانية فلا يمكن اعتبارها دائرة صغيرة داخل دائرة الأمة، لأنها دائرة أكبر من الأمة، لكن الانتماء لها محكوم بالانتماء للأمة المسلمة باعتبار القيم المطلقة الخيرة التي يؤمن بها من ينتمي لأمته المسلمة هي الموجِه لانتمائه للإنسانية التي يشترك معها في وحدة الجنس البشري.

من هنا كان تعزيز دافع الانتماء لدى الفرد المسلم تجاه أمته من خلال إيمان التربية الإسلامية بمبدأ تداخل دوائر الانتماء بعضها في بعض، وانفتاح بعضها على بعض، هو ثمرة عالمية الرسالة الإسلامية التي تخاطب جميع الناس على اختلاف دوائر انتمائهم وإيمانهم، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107 ) فالرسالة الإسلامية فيها من مقومات الرحمة ما يجعلها موجهة لجميع دوائر الانتماء الإنساني.

خامساً: دور التربية الإسلامية في تعزيز دافع الانتماء للإنسانية

إن الفرد المسلم جزء من الإنسانية والبشرية مهما اختلفت هذه البشرية في الدين، أو العرق، أو اللغة، أو الفلسفات والأيديولوجيات التي تحكم نظام حياتها. والتربية الإسلامية تعترف بهذه الإنسانية؛ إذ أن من أهدافها العليا، وغاياتها العظمى إعداد الإنسان الصالح الذي يعم خيره الإنسانية جمعاء، فعن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه و سلم قال : المؤمن مؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف (أحمد، 2/400)، وإعداد الإنسان الصالح يتطلب أن يكون هذا الإنسان منفتحاً على غيره الذي يختلف معه، متقبلاً للآخر، وآلفاً له، إلا أن هذا الانفتاح لا يكون بعشوائية من غير ضوابط ومنطلقات، إنما يحتاج إلى إنسان مؤمن بقيمه الإسلامية النبيلة، متحلياً بمبادئ رسالته الخالدة ومنطلق منها، ينفتح على الآخر وهو متسلح بهذه القيم والمبادئ، قادر على تمييز ما يشترك به مع الآخر، وما يختلف معه فيه.

فالإنسان المسلم لا يملك إلا أن يكون جزئاً من هذه البشرية، وعضواً منضماً لها، وفرداً منتمياً لها، فهو يتساوى مع سائر بني البشر في الفطرة التي فطر عليها الإنسان، ويتساوى كذلك في حقيقته البشرية، وطبيعته الإنسانية. لذلك كان تأسيس الانتماء للإنسانية على اعتبار فطري واحد، يبدأ من الانتساب لأبي البشر آدم عليه السلام، مصداقاً لقول النبي –صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: “كلكم لآدم، وآدم من تراب”، (الأسدي، 1415هـ، 1/170)وهذا ما يمنح البشر فرص اللقاء حتى في حال الصدام والصراع، من أجل التعارف والتفاهم والتعاون. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)

إن قيام التربية الإسلامية بمهمة إعداد الفرد المسلم العابد لله تعالى، القائم بأعباء عمارة الأرض يدفع المسلم المتحلي بقيمه ومبادئه من جهة، وبخصائصه التكوينية من جهة أخرى لتفصح عن مكنوناتها بشمول الجميع، مؤسِسة الإنسانية الراقية التي تترفع عن الصراع وتسعى للتعاون والتكامل في تحقيق المصالح المشتركة للجميع. من هنا كان انتماء الفرد المسلم للإنسانية مظهر من مظاهر تحقيق التربية الحضارية للأمة المسلمة؛ وذلك لأن مجرد الاستفادة من الآخر أمر منبوذ وغير مقبول، إنما تسعى التربية الإسلامية إلى تحقيق التفاعل الحضاري للأمة المسلمة مع غيرها من الأمم، بحيث تكون أمة معطاءة من جهة، ومستفيدة من غيرها من جهة أخرى.

وهذا التفاعل قد أمر به الإسلام، وجعله غاية تسعى الأمة إلى تحقيقه بعد إنجاز حضارتها الإسلامية، منفتحة على غيرها من الحضارات بنفسية صاحب الإنجاز الحضاري، لا صاحب الانهزام الحضاري، والمنبهر بأي حضارة كانت.

فكما أن المسلم مكلف بتبليغ الإسلام فكراً، بمبادئه وقواعده للعالم، فهو مكلف – أيضاً- بتقديم الحضارة الإسلامية المتمثلة بترجمة فكر الإسلام ورسالته الإسلامية في كل معطياتها المادية والمعنوية.  فالرسالة الإسلامية رسالة حضارية في عالميتها؛ وذلك لما أنيط بالأمة الإسلامية من وظيفة الشهادة على باقي الأمم، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143). لذلك كان لزاماً على الأمة المسلمة في كل عصر أن ترتبط بالإنسانية جمعاء، ولا تنغلق على ذاتها، فتحقق الشهود الحضاري على الناس، وقيادتهم، وتقويم سلوكهم بشرع الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق