مقالات

تحــديــات المنـظومـة التربـويـة العـربيـة

أ.ناهض سالم أبو منديل

أولت الأمم سابقاً وحاضراً جل اهتمامها بالعملية التربوية باعتبارها ضرورة من ضروريات الحياة، فهي أداة تنوير فكر الأمة، والدافع نحو العمل لصالح المجتمع والوطن، فهي السبيل الوحيد لإكساب الوعي لدى أفراد المجتمع، وتحصينهم بقيم ومبادئ ومعتقدات مجتمعهم، والتي تجعل منهم أفراداً محصنين ضد الهجمات الشرسة التي تواجهها الأمة في عصرنا الحاضر.

فالتربية هي الماضي والحاضر والمستقبل للأمة، فهي الماضي بما تتركه من رصيد للقيم والاتجاهات الفكرية والأيديولوجيات السياسية والاجتماعية التي تميز هذه الأمة عن غيرها من الأمم الأخرى، فهذا الرصيد التي تتركه هو التراث الحضاري والإرث الذي يتوارثه الأبناء، كما وتسعى التربية من خلال هذا الأمر لتنمية وعي أفراد الأمة بالجذور التاريخية الأصيلة لهم، هادفة بذلك نقل الموروث الحضاري باعتباره البصمة التي تميزها عن الأمم الأخرى، ويأتي هذا من خلال الوسائط التي تستخدمها التربية بشتى أنواعها، وهي الحاضر بما تبذله من جهود حثيثة في إعداد أبناء الجيل الحالي لكي يستجيبوا لمتطلبات العصر، وهذا بعد تمثل تراث الأمة ورصيدها الحاضر، فيصبح هذا الجيل امتداداً لجيل الآباء والأجداد، ممهداً بذلك المستقبل للأجيال اللاحقة.

وهي مستقبل الأمة المرتقب، حيث تمثل التربية الجهة المسؤولة عن إنتاج أجيال المستقبل من خلال تحديد احتياجات المجتمع في شتى الميادين، واضعة بذلك الخطط والأهداف المناسبة لتوفير الطاقات البشرية التي تتمتع بالقدرات والمهارات التي يتطلبها عالم الغد، وعليه فإن ماضي وحاضر ومستقبل الأمة يكون متواصلاً بلا انقطاع، لتصبح التربية هي أداة استقرار الأمة وثباتها ومحققة أهدافها حاضراً ومستقبلاً.  

وقد أصبح دور التربية في يومنا هذا أصعب مما كانت عليه سابقاً، ويرجع السبب في ذلك للتحديات والأزمات التي أحدثتها التغيرات والثورات التي تحدث في المجتمعات العربية، فقد اتخذت هذه التحديات أشكالاً مختلفة عما كانت عليها سابقاً، لذلك فإن التربية في ظل هذه الأزمات والتحديات لن تكون قادرة على تأدية دورها بالشكل المطلوب.

فتعرضت مجتمعاتنا العربية على مر التاريخ الطويل للكثير من الصعاب والتحديات، إلا أنها تختلف عن تحديات اليوم من حيث الحجم والنوع والسرعة المتلاحقة، وهذا ما يعرف بعمليات العولمة وثوراتها، مما جعل لهذه التحديات سمة الشدة والقسوة في مواجهتها، وجاءت هذه التحديات كدفعة واحدة متلاحقة ومتداخلة في آن واحد، لذلك فإنها تحتاج لمواجهة فعالة واستجابة حادة مثل حدتها وقسوتها تماماً.

ومن أهم هذه التحديات والإشكاليات المعاصرة التي تواجه منظومتنا التربوية والتي أفرزها نظام العالم اليوم ما يلي:

( العولمة، هيمنة الإعلام الغربي، الثورة المعرفية والتكنولوجية، تدمير النسق القيمي للمجتمعات العربية، التكتلات الاقتصادية، وصف التربية العربية بالإرهاب والتطرف).

وقد لفتت هذه التحديات أنظار المجتمعات العربية لعملية الإصلاح التربوي، والتي تأتي من منطلق إصلاح أحوال المجتمعات والنهوض بالطاقات البشرية ومواجهة أخطارها، وهذه العلمية تحتاج لتكاثف الجميع بداية بالفرد والأسرة ومؤسسات المجتمع المدني ومنتهية بمؤسسات التعليم العالي، وهذا من منطلق أن عملية الإصلاح التربوي عملية اجتماعية نابعة من المجتمع، تتأثر به وبما يسوده من أحوال وظروف وأزمات، وبتكاثف الجهود سنصل إلى بر الأمان. 


موظف لدى وزارة التربية والتعليم الفلسطينية
باحث دكتوراه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق